الانتخابات البرلمانية في الجزائر هل هي معترك الحسم أم حلبة للبزنسة السياسية ؟
بيزيد يوسف.
الظاهرة الملفتة للنظر و التي تشد الانتباه في كل موعد انتخابي هي ظهور مجموعة من
الأحزاب المجهرية أي – الميكروسكوبية –و التي ما فتئت تتزايد و تتكاثر بشكل ملفت للنظر بعد
إقرار مجموعة من الإصلاحات من قبل رئيس الجمهورية و التي فتحت المجال للتعددية الحزبية
مجددا .
هذه الأحزاب تبدأ مرحلة جديدة من النشاط بعد سبات عجيب و بشكل متسارع في كل موعد انتخابي،
كما تظهر أطياف من الأحزاب السياسية الفتية و التي تفاجئ المواطن البسيط بأسمائها و مسمياتها
و منها التي تتشابه كثيرا في الأسماء و حتى في البرامج فيكون من الصعب التفريق بينها ،
حيث أطلعت على بعضها فذهلت لمدى التشابه في القوانين الأساسية و البرامج لدرجة لا تكاد
تفرق فيها بين اتجاهاتها و مذاهبها و منطلقاتها و أهدافها ، و لكن طبعا مع الاختلاف في
الشخصيات و الوجوه و منها الجديدة و منها الجديدة -القديمة و التي تتموقع في كل مرة تحت
غطاء جديد و آلية مختلفة ، و هي بحق ظاهرة يجب أن تحظى و لو بجزء يسير من الدراسة
العلمية الدقيقة أو حتى الالتفاتة من حيث مدى جدواها و أهدافها و أسسها . بيد انه من الغريب
كذلك أن الكثير منها لا يلبث أن يختفي بعد كل موعد انتخابي بانتهاء موسم جني و حصاد الكراسي
. فالكثير منها تتنامى في ظرف وجيز و تنتظم بطريقة غريبة و سريعة فترى لافتاتها تعلق
على محلات تحمل شعاراتها و قوائمها للترشيحات ، لماذا ؟
هل هو تجسيد للمواطنة و النضال أم انه موعد المساومات و البزنسة ؟ ، و خاصة أن البعض من
هذه الأحزاب يثير كثيرا من الريبة و الشك ، فنرى أصحاب –الشكارة- و مرتزقة السياسة
و بعض المتلهفين على الكراسي يتحالفون بشكل و آخر والبعض منها لا تكاد تقدم إلا نوعا من
الدعم و المساندة للأحزاب القديمة . أم أنه نوع من تجسيد التعددية و التنوع في الطرح و تعد
د لاختيارات المواطن الذي يصبح صوته من ذهب و له أهميته القصوى كمواطن يتمتع
بمواطنته البالغة الأهمية في هذه الفرصة السانحة ؟ ، أم أنها كما يزعم البعض محاولة من
السلطة السياسية لبهرجة المنظر السياسي العام للدولة أمام موجة الربيع العربي ؟ أم تشتيت
من السلطة لقوة الأحزاب السياسية و تفريقها انطلاقا من سياسة فرق تسد ؟ .
كل هذه التساؤلات باتت مطروحة و مشروعة أمام هذه الفسيفساء السياسية الجديدة طبعا دون
النظر إلى اعتبار التقييم و التقويم داخل الأحزاب و محاسبة الفترات الماضية و تحمل
تبعات المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق من يتولون المناصب التشريعية و خاصة البرلمانية
منها و هو الأهم ، حيث يحتمل أن العمل السياسي لا ينبثق فحسب من لحظة راهنة بل ينطلق
من مبادئ و أدبيات راسخة ترسّخ قيم اجتماعية و ثقافية تحتمل بالدرجة الأولى التضحيات
و النضال بقدر ما ترجح الاستحقاقات و المكاسب ،و التي هي في المحصلة نتيجة و ثمرة
تجنى لمجهود متواصل، و عندما يترسّخ هذا المفهوم عند الأحزاب و التنظيمات السياسية
بكافة اتجاهاتها حينئذ يمكن النظر إلى الأحزاب بكونها عملية تنموية و تطوير سياسي و اجتماعي
و ثقافي و سياسي ،كونها بدءا عملية تطوير للفكر و الأدبيات بصورة متناغمة و متناسقة وفقا
لكل مجموعة و تصوراتها و اتجاهاتها ، و لا يضطلع بهذه المهمة أي الترشح للانتخاب إلا
لمن تتوفر فيه مجموعة من المعايير التي تبتعد عن المحسوبية و- الشكارة - : أي دفع الرشاوي
و المال الوفير - و القبلية و غيرها من المفاهيم التي تنتقص من الوطنية و تعلي فكرة الجهوية
وكتائب الفساد .
ليس من الغريب أن ترى في بعض البلدان المتقدمة البرلماني من ذوي المؤهلات و الكفاءات
العالية وهو يستعين بعشرات من الخبراء كل في مجال تخصصه للتصويت فقط على قرار ما و
له قناعاته الحزبية و أفكاره و له اطلاع بأدبيات حزبه ، على عكس ما نراه اليوم من بعض
المتطفلين هنا و هناك عن مجال السياسة و هم يحاولون التسلق بطريقة أو أخرى ، و قد يكون
ليس من المستبعد أن تتحول هذه الظاهرة إلى عادة اجتماعية في ظل تفشي آفات اجتماعية عديدة .
و لربما لا يزال إعداد كوادر فاعلة و مثقفة بدرجة عالية بعيدا على الرغم من مضي عقود
من الاستقلال و لكنه ليس مستحيلا و من المفترض الإعداد له و تكوين نخبة واعية و عدم تهميش
و تهشيم الإطارات ذات الكفاءة والشابة منها حيث يكون الاحتكام لمفهوم التداول هو المفهوم
الحقيقي ، لا مفهوم التغييب و التموقع و التلاعب بالأصوات و الذي لن يؤدي في النهاية
سوى لانسداد سياسي و تكريس مفهوم الرداءة في ظل تغيّب الكفاءات العلمية التي تظل تتخوف
من المعترك السياسي الذي يأخذ كثيرا من الوقت و الجهد و كذلك عند البعض الكثير من الكولسة
و الدهاء و البزنسة ، و أكاد اجزم أن هناك بعضا من المرشحين لا يعلمون عن أهداف
و مبادئ أحزابهم و قوانين الدولة إلا النزر اليسير و هم يعلمون الكثير عن الصراعات و الكواليس
و البعض ينعت ذلك بالكياسة .و الغريب أن البعض من المرشحين من أصحاب الملايير يطمعون
في - بضعة الملايين شهريا بالنسبة لهم طبعا - علما أنه على الأقل راتب البرلماني قد لا يقل عن
35 مليون سنتيم ، إضافة إلى الحصانة و الامتيازات و الجاه و السلطة و هو ما يثير كثيرا من
اللعاب ، و لو افترضنا أن هناك قوانين يمكن أن تصدر من قبل السلطات المعنية تحدّد
رواتب متوسطة أو رواتبهم السابقة في وظيفتهم مع منحة و امتيازات محدودة ، فهل سيكون
هذا الصراع المحموم من أجل الوطن ، أليس هناك فرق بين الشهيد العربي بن مهيدي أو
ديدوش مراد و قوافل الشهداء الذين تسابقوا على تبوء كراسي الاستشهاد و بين من يتسابق على
سلطة أو مال ؟، و لو افترضنا أن الكثير من هؤلاء كانوا في حرب تحريرية فهل سيهرعون
بنفس الشكل و الجد و الاجتهاد ؟ إذا البون شاسع بين هؤلاء و أولئك ، لأن النضال من أجل
قضية و المبادئ هو الذي يحدث الفارق ..
كنت منذ فترة وجيزة أتصفح دستور 1963 و إذا بي أقف على مادة تصف أن ممثلي
الشعب الحقيقيين من الفلاحين و العمال و غيرهم من الفئات هم الذين لا يعمل لديهم أجراء
ويتلقون أجورهم من عملهم و هم من الفئة ذاتها مما يجعلهم يحسون بآلام و آمال هذه الفئات
الكادحة، و هذا هو البعد الحقيقي للتمثيل النيابي الحقيقي ، و ليس الاستفادة من الكرسي
الوفير و المنصب المريح لمدة زمنية و لربما تبعتها –عهدات- دون التزحزح قيد أنملة ،
دون تقدير للجدوى و الحصاد .
عندما يكون السباق عن الكراسي و جني المكاسب فالكل سيهرع دون شك و لكن عندما
يكون الحساب و التعب ، فالقليل من سيتقدم ، و عندما تكون القضية أعمق فلن تجد إلا النزر
اليسير .
و عندئذ يتضح المفهوم الحقيقي لهذا السباق ، و الذي هو دون أدنى شك محك للتمثيل الحقيقي
الذي يجعل من المواطن مطمئنا على صوته و يدرك أهمية ذلك .
لأنه لا يمكن الرجوع إلى هذا المواطن دون تقديم مردود له و الوفاء بالعهود التي قطعت من قبل
و التي تقطع في كل معترك انتخابي طبعا ، و هنا يتضح دور المواطن الواعي و المدرك
لأهمية قراره ، و له أن يصوت لمن يريد أو أن يقاطع إن شاء حسب قناعاته و توجهاته لأنه
في النهاية هو من سيصنع الديمقراطية أو العكس.
لقد استطاعت الجزائر دون شك أن تتجاوز أزمة الربيع العربي لأن شعبها قد تجاوز هذه المحنة
منذ عقود و لا زال الكثير منه يعاني جراحها ، و لذلك تعالى صوت الحكمة و العقل ، و لكن
في مقابل تغيير ايجابي يكون فعالا و حقيقيا لأن الهدوء لا يعني الموت أو العدم ، يحترم سيادة
الشعب و قوانين الدولة ، ففي النهاية أي تلاعب ستكون عواقبه وخيمة كما حدث من قبل . و هذا
ما يدركه الجميع و هذا يحتم إصدار قوانين فاعلة أكثر موضوعية تضبط عمليات الترشح
حيث تطرح إشكالات: ومنها الترشح بالقوائم حيث أنه على الرغم من كفاءة بعض المرشحين
و لكن حظهم سيكون أقل في حالة ما لم يتصدروا القوائم و ما هي المعايير التي تجعل هذا
يتصدر القائمة دون ذاك ؟ ، و هذا يطرح بدوره تساؤلات و صراع و في بعض الأحيان
وتلاعبات كبيرة و كثيرة كما وقف عليها البعض في كل معترك انتخابي لأن التصويت لن يكون
على الشخص الذي يراد انتخابه بل القائمة ؟ .
و كذا في ما يتعلق بالدوائر الانتخابية هل سيتم إعادة النظر فيها نظرا للتغيرات الديمغرافية
و السوسيولوجية و التي تعني أنه من المفترض مع تطور الدولة المدنية تطور آلية الاقتراع بما
يعزز مفهوم الدولة الحديثة و المدنية ؟ و لن يتأتى هذا إلا من خلال المشاركة العامة للمجتمع
المدني و الفاعليات السياسية و ذلك انطلاقا من المصلحة العامة لا الخاصة الضيقة .
و هذه الفسيفساء السياسية إذا ما أدركت فاعلياتها و ضبطت تحالفاتها و ائتلافاتها فيمكن أن تشكل
قوة تغيير كبيرة ، أما إذا ما تمزقت و كانت قشورا دون لباب وآداة للتمزيق و البزنسة الآنية
و بهرجة لديكور سياسي فإنها ستفقد مصداقيتها لدى الشعب و سيكتب عليها التاريخ و يسجل
مواقفها . و إن أدركت البعد الحقيقي للعمل السياسي فيمكنها التعبئة و الحشد و لربما الفوز لأن
سنة الله هي التغيير ، و لكن قبل ذلك يجب عليها أن تبني عقولا و تكوّن أجيالا و تساهم في
عمليات التنمية الشاملة و تكون أفكارها و أدبياتها واضحة و راسخة و هو حال البعض منها
و لكن البعض الآخر ما زال يبحث عن موقعه في الإعراب كما تقول لغة أهل اللغة و الإعراب
و لربما عندئذ سيكون مؤثرا و فاعلا لا مفعولا به .